
(عادل اللطيفي. مونت كارلو دولية)
للخبر دلالاته عن عمق التحولات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها المجتمع الإيراني في علاقته بالسلطة. وينقل الخبر غضب السلطات القضائية وكذلك بعض النواب بسبب ما اعتبروه تجاوزا لقانون الدولة الإسلامية خلال الماراطون الذين تم تنظيمه يوم الجمعة الماضية بجزيرة كيش جنوب البلاد. فقد ثارت ثائرة الأطراف المحافظة بسبب مشاركة عديد النساء في هذه التظاهرة الرياضية بدون حجاب كما ينص على ذلك القانون الإيراني. طبعا ليس أمر الحجاب كوقود للصراع الاجتماعي السياسي في إيران بجديد لأنه بلغ ذروته على إثر وفاة مهسا أميني سنة 2023. غير أن السياق الجديد يعطي للموضوع محتوى مغايرا بسبب تتالي النكسات الإيرانية العسكرية.
يذكرنا موضوع الحجاب في إيران بحقيقة قديمة غابت وراء مختلف التطورات الإقليمية والجيوستراتيجية التي كانت فيها إيران لاعبا مهما. تقول هذه الحقيقة أننا في حالة منظومة حكم كلياني تذهب فيه مراقبة السلطة للإنسان حد السيطرة على جسده باسم الدين والأخلاق والوطن. غير أن هذه الكليانية بدأت تهترئ منذ بداية القرن الحالي بسبب عولمة الاتصال والتواصل وخاصة بسبب تراجع الوضع الاجتماعي بعد العقوبات الغربية. وهي تهترئ أيضا أمام التحول الجيلي لأن شباب إيران اليوم هو وليد عصره ولا يجد نفسه في مقولات سياسية دينية لا منجز يسندها على أرض الواقع.
لم يخترق رفض الحجاب في إيران الفضاء العمومي فقط ولم يبق مجرد رمز لشرخ بين السلطة والمجتمع، بل إن رفض الحجاب اخترق السلطة ذاتها. إذ يبدو أن القضاة المحافظين وجزءٍ كبير من النواب يتهمون السلطة التنفيذية بغض الطرف عن انحرافات اعتبروها خطيرة. فمن المعروف أن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان لا يتفق مع إلزامية لبس الحجاب في الفضاء العام مما يجعله في تعارض واضح مع القوى المحافظة التي تتحكم في الدولة. إنه بمثابة انتصار رمزي للمرأة الإيرانية على السلطة بتحويلها للحجاب إلى وسيلة لإضعافها.
على الرغم من رمزيتها، فإن حالة وهن المحافظة الإيرانية في مواجهة “شعر المرأة” تحلينا أيضا على فشل سلطة الثورة الإيرانية داخليا وخاصة خارجيا. فتردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي في إيران لا يحتاج لأي إثبات. تردي خلق نوعا من الاستعداد المجتمعي للابتعاد عن السلطة وللتفاعل مع أي احتجاج. لكن العامل الأهم برأينا يتمثل في الخسائر العسكرية التي تلقتها إيران سواء في بلدان الجوار أو خاصة بعد الضربات الإسرائيلية. فهي التي قزمت من صورة السلطة الإيرانية في وجه مواطنيها ودفعت بها إلى اتباع سياسة انفتاح داخلي مخافة انفجار قد يعصف بالنظام.