(من كتاب: الدولة والثورة والحداثة)

“… نعتقد بأنّ السّؤال الأكثر وجاهة في هذه الحالة هو: في أيّ إطار يمكن أن نقيّم هذه الشّخصيّة التّاريخيّة؟ هل نقيّمه باعتباره مجرّد شخص حكم دولة أم نذهب إلى ما أبعد من ذلك، أي انه شخص صنع الدّولة أو ساهم في صنعها؟ فاقتصار السّؤال على وضع بورقيبة الحاكم يحصر الإجابة في إمكانيتي الحاكم المستبد أو الدّيموقراطيّ، والحال أنّه إذا استحضرنا الإشكاليّة العامّة لهذا البحث، أي مسار تشكّل الدّولة في تونس، لتوصلنا إلى استنتاجات مختلفة بعض الشيء. من هذه الزّاوية، لا نبالغ إن قلنا إنّ بورقيبة يقيَّم بالأساس في إطار فئة البناة المؤسّسين للدّولة الوطنيّة في العالم مثل نابليون بونابارت وكمال أتاتورك والميجي في اليابان. أي أولئك الحُكّام الّذين تمثّلت مهمّتهم الأساسيّة في نقل الدّولة من المرحلة التّقليديّة، مرحلة المجتمع الزّراعيّ، نحو المرحلة الوطنيّة ومجتمعها المدينيّ. في مثل هذا السّياق التّأسيسيّ، عادة ما يكون هاجس الحُكّام الأوّل هو ضمان نجاح مثل هذا الانتقال من خلال تحديث المجتمع وتحديث الدّولة تنظيما ومؤسّسات.
لم تحفظ الذاكرة الوطنيّة و الشّعبيّة الفرنسيّة لنابليون استبداده وتراجعه عن بعض مبادئ الثّورة بل احتفظت له بذلك التّنظيم الإداريّ والعسكريّ الجديد بالإضافة إلى إصلاحات التّعليم وتنظيم القانون. كما لم تحفظ الذاكرة الوطنيّة اليابانيّة للميجي تعاليه بصفته إمبراطورا واحدا أوحد، بل حفظت له صورة رائد التّحديث اليابانيّ. وعلى نفس هذا المنوال حفظت الذّاكرة التركيّة في المخيال الرّسميّ والشّعبيّ صورة أتاتورك باعث الدّولة الحديثة من لدن الامبراطوريّة المتداعية. إنّه سياق الحاكم المؤسّس والأب التّاريخيّ للتّحديث. أي سياق المستبد النير المؤسّس الّذي لم يحفظ له التّاريخ طبيعة حكمه بل ريادته في بعث الأمّة وتحديثها.
إنّ مثلَ هذا التسلّط التّأسيسيّ النير يُعدّ جزءًا من مسار تشكّل الدّولة الوطنيّة وذلك في ظروف تاريخيّة متميّزة. لذلك نجد أنّه ارتبط أكثر بسياق الانتقال من الدّولة التّقليديّة إلى دولة الأمّة السّياسيّة الحديثة في وضعيات تميّزت بعراقة مسار تشكّل الدّولة الوطنيّة مثل فرنسا واليابان وتركيا بالرّغم من ماضيها الامبراطوريّ. في المقابل لا نكاد نعثر على ذلك البطل القوميّ المؤسّس أو المنقذ في حالات الانتقال الدّيموقراطيّ باعتبار اختلاف الإشكاليّات المطروحة. على هذا الأساس، لا نعتقد أنه توجد بورقيبيّة بمعنى تلك المدرسة الفكريّة المتميّزة. بل نرى أكثر في بورقيبة ذلك المجسّد الوفي لمسار تشكّل الدّولة التّونسيّة الحديثة في بعدها الوطنيّ. فبورقيبة مرحلة في مسار تشكل الدولة الأمة وليس فكرا. فكما لا توجد نابليونية (نسبة لنابليون) ولا ميجيّة (نسبة للميجي) لا توجد أيضا بورقيبيّة. فلو حكم بورقيبة في ليبيا مثلا ما كان ليعطي نفس السياسة بالنظر لتأخر مسار تشكل الدولة الوطنية وبقاء التشكيلات التقليدية أكثر فاعلية. هذا هو الإطار الّذي يجب أن ننزّل ضمنه تقييم وجود بورقيبة على رأس سلطة الدّولة بالخصوص في الخمسة عشرة سنة الأولى من حكمه. أي ذلك المؤسّس للدّولة الوطنيّة في إطار من الحكم الفرديّ النيّر. في المقابل ارتبط سياق التّأسيس التحديثيّ هذا بمرحلة معينة فقط من تاريخ حكم بورقيبة. فقد أوفى باستحقاقاته مع بداية السّبعينات ولم يُعدّ لبورقيبة بعد ذلك ما يقدمه لتونس لأنّ النخبة في المجتمع السّياسيّ بدأت تتجه نحو توسيع الحرّيّات السّياسيّة وتوسيع التّمثيل. فأغلب النّقاشات الّتي أثيرت حول مسائل المجتمع والدّين والتّحديث عموما امتدّت من تاريخ الاستقلال إلى حدود نهاية السّتينات ليتراجع بعد ذلك الزّخم الإصلاحيّ فاتحا الباب لاستحقاقات مجتمعيّة وسياسيّة جديدة”.