الأحد , نوفمبر 30 2025

من التمثيل إلى التجسيد،

قراءة في مسار تقهقر الدولة

(عادل اللطيفي) منذ أول انتخابات حرة في تونس سنة 2011 وما لحق من مثيلاتها سنة 2014 و20019 وحتى بعد “الخامس والعشرين من جويلية”، يمكن القول إن العبارة الأكثر حضورا لدى الرأي العام لتوصيف الوضع هي “تونس لتالي ليس القدام”. إنه منطوق استنتاج أفرزته البراغماتية المجتمعية في تعاملها مع واقع معقد يتجاوز حدود فهمها ولغة تعبيرها لكنها تدركه من ملموس معيشها. المفارقة أن هذه العبارة، وعلى بساطتها وعفويتها، تجد لها موضعا حتى ضمن الثقافة العالمة وخاصة في السوسيولوجيا التاريخية للدولة. فمن حلم اختيار التمثيل (la représentation) الأفضل للأغلبية عبر الانتخابات، ها هي الردة تستقر لتعود إلى الرأي الواحد والحاكم الأوحد وليعود مسار الدولة نحو تجسيد (l’incarnation) الشعب والدولة والأمة. كيف حصل ذلك لنجد أنفسنا أمام دولة حادت عن العقل وأمام شعب تائه؟        

نعتقد أن مبعث الإشكال يتجاوز زمنيا ما يقدَّم اليوم على أنه تأسيس جديد، أي “الخامس والعشرين من جويلية”. فلمعرفة جذور انقلاب مسار تطور الدولة الذي نعيش على وقعه لا بد من العودة إلى تبعات أولى انتخابات بعد الثورة. ففي السياقات الديمقراطية (بما فيها الانتقال الديمقراطي) عادة ما يكون موضوع السياسة الرئيس هو تسيير الشأن العام (الاقتصاد، والمعيشة، والشغل والصحة وغيرها) وذلك في إطار منطق التصرف في الاختلاف بين التشكيلات السياسية والإيديولوجية عبر الانتخاب. هذا على عكس سياق تأسيس الدولة (الاستقلال) حيث تتمحور السياسة حول الدولة وفي إطار منطق فرض التجانس ولو بالقوة. فالمراحل التأسيسية هي سياق صنع الحكم والحاكم بامتياز.

 لكن بعد أكتوبر 2011، استعادت حركة النهضة من جديد، إشكالية الحُكم كرهان أساسي للعملية السياسية، (بمنطق “كان يحكم بن علي، توة أحنا”) ومعها إشكالية الهوية وطبيعة الدولة غير المتأقلمة مع مرحلة الانتقال الديمقراطي. كما استعادت هاجس الحكم والحاكمية من موروث الثقافة السياسية الإسلامية التي تحصر السياسة في سؤال من يحكم وما هي شروطه على حساب المحكوم. هذا ما يفسر شدة تمسك حركة النهضة بوزارتي العدل والداخلية نظرا لدورهما في منطق القوة والحكم. وقد صاحب تمحور الرهان السياسي حول الحكم إلى تهميش تسيير الشأن العام وخاصة الشأن الاقتصادي منه. بل أصبحت الدولة تسير تقريبا بمنظومتين متوازيتين، منظومة قوية للحكم مقرها مونبليزير والمجلس التأسيسي وعلى رأسها راشد الغنوشي، ثم منظومة هشة ومكبلة لتسيير الشأن العام كان على رأسها حماد الجبالي. وقد وصل الوضع إلى الصدام بين المنظومتين بعد اغتيال شكري بلعيد.

قد نفهم هذا الانحراف في فترة حركة النهضة لأنها في النهاية تمثل ثقافة ما قبل الدولة. لكن الباجي قائد السبسي وحزب نداء تونس أعادوا إنتاج نفس إشكالية الحكم بعد 2014عبر شعار التوافق. فالتوافق تم على اقتسام الحكم وليس على قاعدة برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي مشترك بين النداء والنهضة. ضمن هذا السياق التوافقي تم أيضا تركيز منظومة لإدارة الشأن العام ضعيفة سياسيا وٌضع على رأسها الحبيب الصيد ليهتم الباجي والنواب وأحزابهم برهانات الحكم. لقد كان تشكيل التوافقات السياسية الحُكْمية هو الرهان الأول للمنافسة السياسية وليست المشاريع والبرامج. أي أن الآلية الانتخابية وشرعيتها لم تكن سوى وسيلة من أجل الرهان الحكمي تحت مسمى شرعية تمثيل الأغلبية. لذلك لاحظنا تقاربات وتحالفات غير طبيعية ومتقلبة بين أحزاب متباعدة فكريا. لقد كان السياسيون الفاعلون مجبرين على التوفيق بين التوجه نحو الحكم والتحكم في الدولة الجهاز من ناحية وبين الممارسة الانتخابية مع ما تقتضيه من توازنات من ناحية ثانية. وقد أعطى ذلك صورة جد سلبية للسياسة والسياسيين عموما وخاصة إحساسا بعدم جدوى الديمقراطية طالما أنها مجرد وسيلة لتقاسم الحكم. تلك هي منظومة أكتوبر 2011 وما أدت إليه من صعود مختلف الشعبويات والتعبيرات القصووية في انتخابات سنة 2019.

والغريب في هذا الإطار، أن حركة النهضة لم تتعظ لا بتراجع وزنها ولا بمخاطر انحلال الوضع السياسي بعد 2019. بل أعادت إحياء هوس الحكم من خلال تحالف “صادم أخلاقيا” جمعها مع حزب قلب تونس كما رسخت تبعية منظومة إدارة الشأن العام ممثلة في المشيشي لمنظومة الحكم في باردو. أكثر من ذلك، حوّل راشد الغنوشي مؤسسة البرلمان إلى مؤسسة حكم تنافس رئاسة الجمهورية حتى في السياسة الخارجية.  

هكذا كان الحال، فهل مثل “25 جويلية 2021” قطيعة مع المنظومة التي سبقته؟ الواقع أن قيس سعيد بدوره لم يشُذَّ عن عقل منظومة أكتوبر 2011 المهووسة بهاجس الحكم. فكما كانت النهضة شديدة الاهتمام بمنصبي وزارة الداخلية والعدل، يكاد ينحصر نشاط قيس سعيد بين هاتين الوزارتين. كما سار سعيد على هدي أسلافه وعيّن نجلاء بودن على رأس الحكومة لتسيير الشأن العام ويتفرغ هو للحكم في مرحلة أولى عبر الدستور والانتخابات ضمن البناء القاعدي ثم بعد فشل الانتخابات عبر مواجهة الخصوم. غير أن التقابل يبقى واضحا بين منظومة التسيير الضعيفة، لكنها الأكثر دراية بوضع البلاد الاقتصادي والمالي، ومنظومة الحكم القيسية المنشغلة بصناعة الحاكم. ويبدو ذلك جليا من خلال ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وتضارب التصريحات حولها. طبعا هذا التقابل ليس بجديد، لكن مع قيس سعيد أصبحت منظومة تسيير الشأن العام في كليتها في خدمة منظومة الحكم وتابعة تماما لها وتنفذ قراراتها ذات الهاجس السياسي.

في المحصلة، يعد قيس سعيد و”25 جويلية 2021″ مجرد امتداد لمنظومة استقرت منذ أكتوبر 2011 والخلاف فقط أنه ذهب بمنطق المنظومة القديمة-المتجددة إلى أقصاها، أي إلى تعويض تشتيت الحكم أو تقاسمه بين وفاقات إلى تجميعه كلية في يد حاكم واحد.

إن ما يقوم به قيس سعيد، في امتداد لما سبقه، يعد تراجعا عن مسار تطور الدولة الوطنية في تونس. فمن مؤشرات تطور الدولة، تراجع وظيفة صناعة الحكم وتزايد الوظائف المدنية مثل تسيير الشأن العام والتحديث المجتمعي. مقابل ذلك نشهد منذ 25 جويلية 2021 عودة الدولة إلى مرحلة صناعة الحكم والحاكم. كما تتطور الدولة نظريا بابتعادها عن التجسيد باتجاه التمثيل. على عكس هذا المسار التاريخي، يعود قيس سعيد إلى منطق تجسيد الحاكم للدولة وللسياسة وللوطنية وللسلطة وخاصة لإرادة الشعب. هكذا انتقلنا في تونس من التلاعب بمبدأ التمثيل قبل 25 جويلية 2021، باسم شرعية الأغلبية، إلى ما هو أخطر، سياسيا، وهو فرض تجسيد الأغلبية التي أصبحت شعبا. الشعب “الحقيقي” “والنقي” “والصادق” في مواجهة “الخونة” “والعملاء”. وتتطور الدولة أخيرا باتجاه عدم تسييس (dépolitisation) الإدارة لضمان حياديتها مقابل تسييس (politisation) المجتمع لضمان مشاركته في الحياة السياسية وفي الحوار العمومي. أما “25 جويلية” فقد اتبع مسارا عكسيا باتجاه الإفراط في تسييس الإدارة مقابل فصل الشعب عن السياسة عبر التجسيد وعبر البناء القاعدي.

لقد دفع الاقتصاد والمالية العمومية الثمن الباهظ لتكلفة سياسة الحكم والتحكم في أجهزة الدولة ليصل الوضع اليوم مع بداية سنة 2023 إلى مرحلة الاختناق. كما دفعت الإدارة، وهي عصب الدولة، ثمنا باهظا “للاستقطاب الحكمي”. فقد وجدت نفسها، وعلى رأسها سامي الموظفين، مشتتة بين منظومة إدارة الشأن العام المباشرة لها، من ناحية، ومنظومة الحكم التي تضخمت مع قيس سعيد لتمثل سيف ديموقليس، من ناحية ثانية. إن “25 جويلية” هو صفحة أخرى من صفحات فشل هذه العقلية التي زاغت بالانتقال الديمقراطي ويتطلب الوضع اليوم وضع حد لها. ولا يتم ذلك إلا في إطار تجديد سياسي من أجل عقلنة الحياة السياسية، فاعلين ومحتوى وخطابا، كي تستعيد تونس عقلها وتتقدم.  

عن admin

شاهد أيضاً

في تغييب القانون الدولي

تؤكد الحرب الإيرانية الإسرائيلية مجددا أن منطقة الشرق الأوسط تعد أهم ركن يتجسد فيه أبرز …