الأحد , نوفمبر 30 2025

في “كره” النهضة وفي الإقصاء، توضيحا للمصطلحات

(عادل اللطيفي) عاد الحديث هذه الأيام في الساحة التونسية على مستوى الفاعلين في الشأن العام حول موضوع الموقف من حركة النهضة الإسلامية واستعاد النقاش مفردات قديمة جديدة مثل كره الحركة والإقصاء وحتى الإسلاموفوبيا. تأتي عودة الموضوع طبعا في سياق انحراف السلطة نحو التسلط ونحو الظلم الذي مس مختلف الفاعلين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين ومس كذلك الكثير من المواطنات والمواطنين الأقل ظهورا. أعتقد أن عودة النقاش حول هذا الموضوع اليوم تستعيد نفس الغموض ونفس الضبابية السابقة منذ تنحت حركة النهضة عن الحكم أواخر سنة 2013 ليصل الأمر حد نوع من التضليل وحتى الابتزاز.

ولعل من بين الأمثلة على ذلك المقال الذي كتبه الصحفي صلاح الدين الجورشي مؤخرا في صحيفة العربي الجديد (الرابط) وقال فيه: “تتالت في تونس تصريحاتٌ لمثقفين ونشطاء أعلنوا، بكل شجاعة وجرأة، تعديل مواقفهم السابقة تجاه حركة النهضة تحديداً. وهي حالة سياسية وثقافية جديدة أصبحت ظاهرة لافتة للنظر.” وقد أورد أسماء كل من رجا بن سلامة ومسعود الرمضاني والصحفي منجي الخضراوي. لست أدري عن أي تغيير موقف وعن أية شجاعة والحال أن هذا الثلاثي طالما عبر عن نفس هذه المواقف المبدئية التي تحكمها القناعة بالمساواة المواطنية وبكونية حقوق الإنسان؟ إن الحديث عن حالة سياسية جديدة هنا يدخل، حسب رأيي، في باب توظيف الموضوع بهدف فك العزلة التي وجدت حركة النهضة نفسها فيها منذ تجميد البرلمان في جويلية 2025. بل تبدو، وكأنها إعادة إحياء للمظلومية.   

الحقيقية أن مثل هذا التطويع للموقف من العلاقة بحركة النهضة ليس بجديد. يتذكر أغلبنا بعد انتخابات 2014 عندما قال العديد منا أن مكان النهضة وقد خسرت الانتخابات هو المعارضة فتم اتهام أصحاب الموقف بالإقصاء وحتى بالاستئصال. حتى اليوم ونحن نندد بالمحاكمات الظالمة وبسلب الحريات في حق كل الناشطين بما فيهم النهوضيين، لكن في نفس الوقت نقول بأنه فعلا هناك ملفات حقيقية مثل التسفير وملف مصطفى خذر ولا بد من التعامل معها في إطار عدالة نزيهة واستقلال القضاء، يقال لنا هذا من باب الاقصاء. لذلك علينا توضيح المفردات وسياقها كي تتوضح الأمور ونتحاشى الضبابية والتضليل.

ما معنى الإقصاء السياسي؟ يعني ببساطة منع الوجود السياسي. يعني منع حزب حركة النهضة من الوجود ومنعه من النشاط؟ من من الأحزاب الكبرى المعروفة منذ 2011 إلى اليوم طالب بحل هذا الحزب؟ كل الطيف السياسي التونسي قبل بالحركة الإسلامية ونافسها في الانتخابات وتعامل معها في البرلمان وفي مؤسسات الدولة وفي الإعلام.

ما معنى الاستئصال؟ يعني قمة التنكيل القضائي والاجتماعي وحتى الجسدي عبر الطرد من الشغل وعبر الهرسلة البوليسية للشخص أو للعائلة وغير ذلك. من في الطيف السياسي التونسي اليوم يطرح هكذا إمكانية؟ لا أحد طبعا عدى المرضى الذين نلاحظهم على فيسبوك وهم شامتون في كل مظلوم عارض سلطة قيس سعيد.   

وكي أوضح الأمر في سياق التسلط الحالي أقول بناء على قناعتي المبدئية اليوم كما بالأمس، أن من حق حركة النهضة كما كل الأحزاب التونسية القانونية أن تعارض قيس سعيد ضمن ما يسمح به القانون. وأساندها في حال تم التضييق عليها لممارسة هذا الحق. لكن في المقابل، من حقي أن أعارض قيس سعيد بمعزل عن النهضة لأني لا أرى فيها ما أناضل من أجله، بل العكس. لا يمكن أن نجبر القوى السياسية والفاعلين على توحيد إطار العمل. إن سمي هذا إقصاءً فهو عودة للابتزاز لا أكثر.

أقول أيضا وبعد تغّير وضع التسلط الحالي بطريقة أو بأخرى، لا مفر من الذهاب إلى مؤتمر وطني شامل تشارك فيه كل القوى السياسية والوطنية بما فيها حركة النهضة من أجل الاتفاق على شروط استعادة الانتقال الديمقراطي وقواعد العيش المشترك.

أقول هذا كي لا نفتعل الخلافات أو نصطنع القضايا ونضيّع على أنفسنا وقتا ثمينا للتقدم بالبلاد. وأقول ذلك أيضا كي نتحاشى استعمال كلمات فضفاضة فضفاضة سواء من الواقع التونسي مثل الإقصاء والاستئصال أو من الواقع الأوروبي مثل الإسلاموفوبيا. ثم أقول ذلك أخيرا، كي ننبه من خطر عدم الاتعاظ بالماضي بالنسبة لحركة النهضة وأنصارها. فكأن هناك تمشي للتنصل من مسؤولية الحاضر بالتركيز على مظلومية الإقصاء.       

عن admin

شاهد أيضاً

في تغييب القانون الدولي

تؤكد الحرب الإيرانية الإسرائيلية مجددا أن منطقة الشرق الأوسط تعد أهم ركن يتجسد فيه أبرز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *