الأحد , نوفمبر 30 2025

الميثاق الديمقراطي

تستوجب طبيعة الأزمة السياسية التي مازالت قائمة منذ الثورة وطبيعة الفاعلين فيها، بالإضافة إلى الترابط الوثيق بين الحريات والديمقراطية والحقوق، وكذلك المخاطر التي تتهدد عملية البناء المواطني، إنجاز ميثاق ديمقراطي يكون بمثابة الإطار المرجعي لكلّ الفاعلين في المجتمع السياسي كي نضمن “ديمقراطية مستمرة” (une démocratie continue) متوازنة ودائمة تضمن الحريات والحقوق والعدالة وكذلك الانخراط المستمر للمواطن في الشأن العام. فمن المهم التوقي من كل التوجهات التي تهدد البناء المواطني الديمقراطي مثل ثقافات ما قبل الدولة والشعبويات (الهووية والاحتجاجية) والتحريض التسلطي. ويجب على هذا الميثاق أن يستلهم من التجارب الأخرى في العالم كما يجب أن ينخرط في إشكالات الخصوصية الثقافية والتاريخية لمجتمعنا. في هذا الإطار، يمكن التفكير في النقاط التالية لإثراء هذا الميثاق كي نضمن ترسيخ الديمقراطية الاجتماعية العقلانية:

  • لا يوجد بناء ديمقراطي ممكن خارج دولة مدنية تفصل السياسي عن الديني (في بعده المعياري).
  • تُبنى الوطنية على المواطنة وليس على حسابها. فلا وجود لوطن حرّ إذا لم يكن مواطنوه أحرارا فيه.
  • تعتبر الدولة الأمة هي الإطار الوحيد لوجود أو ممارسة الديمقراطية على الصعيد الوطني.
  • تتمثل الديمقراطية المنشودة فيما أصبح يعرف بالديمقراطية التمثيلية. أي الديمقراطية التي تعتمد على الأحزاب وعلى دور النخب والقوى الوسيطة وذلك في إطار من حرية التعبير والتنظّم وفي ظل استقلال القضاء وتوازن السلطات. فلا خيار اليوم سوى الحكم إما بالديمقراطية أو الحكم بالقوة.
  • إن الديمقراطية عملية متواصلة ويومية ولا تقتصر فقط على المواعيد الانتخابية. إذ يعتبر النقاش العام المتواصل عبر عديد الطرق بما فيها المداولات الشعبية والإعلامية، وسيلة مهمة لتواصل انخراط المواطنين في الشأن السياسي واستمرارية الممارسة الديمقراطية. كما يعدّ الحوار السياسي بين الفاعلين المباشرين للشأن السياسي سواء داخل البرلمان أو خارجه من بين الوسائل المهمة للمحافظة على حيوية الديمقراطية في الحياة اليومية وللمحافظة على وجاهتها وجديتها.
  • تعتمد الديمقراطية على الانخراط المستمر للمواطنة والمواطن في الشأن العام. ويتوقف ذلك على مدى التوفيق بين المصلحة الفردية للأفراد والمصلحة العامة للمجتمع وللدولة.
  • تتمحور العملية السياسية في السياق الديمقراطي حول خدمة الشأن العام وعلى رأسه مسألة العدالة الاجتماعية لأنها الضامن لوحدة المجتمع. ويحكم هذه العملية منطق التصرف في اختلاف وجهات النظر حول تسيير هذا الشأن العام بين الفاعلين السياسيين المباشرين (أحزاب، مواطنين، منظمات…).
  • إنّ غاية الديمقراطية النهائية هي تلبية حاجات المواطنين والدولة. حاجات المواطنين في حياة ذات جودة وضامنة للمستقبل في إطار من العدالة الاجتماعية. ثم حاجة الدولة كإطار فاعل، قوي ومستمر وفي تواصل مع المواطنين. لذلك لا فصل بين الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية. إذ تعتبر الحرية هي المدخل الأساسي للديمقراطية من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية عبر مقاومة كل أشكال الميز ولضمان الحقوق مثل حق العمل النقابي وعبر تحرير طاقات البلاد في بعث المشاريع.
  • تنبني الديمقراطية على منظومة الحريات، باعتبارها إحدى المنافع الأساسية، وعلى رأسها الحريات السياسية. وتعدّ الحريات الفردية مدخلا أساسيا للحريات وكذلك لمنظومة الحقوق.  
  • تعتبر الديمقراطية هي النظام الأنجع للحصول على الحقوق ولتحقيقها. وهي نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي يرتكز على احترام الذات البشرية، وعلى احترام حقوقها وواجباتها غير القابلة للتجزئة.
  • تتطلب الديمقراطية المساواة التامة بين المواطنات والمواطنين وذلك على قاعدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق المنبثقة عنه.  
  • تحويل الديمقراطية ومبادئها إلى ثقافة مواطنية عليا عبر التعليم وكذلك عبر الإعلام وخاصة العمومي منه.
  • تستوجب الديمقراطية، بشكل تعارضي، تسييس المجتمع من أجل ضمان انخراطه في الديمقراطية وفي النقاش العمومي عبر المداولات في الفضاء العمومي، ثم عدم تسييس الإدارة كي نضمن النجاعة بعيدا عن تأثيرات الرهانات الحزبية. فالتعيين في الوظائف الإدارية يتمّ بالأساس على قاعدة الكفاءة مهما كان التوجه الحزبي.
  • تتطلب الديمقراطية حدّا من النزاهة من طرف الفاعلين السياسيين. إذ تعتمد على وضوح التوجهات الفكرية العامة للأحزاب وللأفراد كما تعتمد على البرامج وعلى التجديد. فالانخراط في العمل السياسي الديمقراطي يتطلب حدّا من التمكن من هذه العناصر. هكذا يكون الفاعل من النخب السياسية مثالا وقدوة كي يساهم في بناء وعي مواطني حقيقي يحافظ على الدولة وعلى الديمقراطية.
  • تتمّ العملية الانتخابية وفقا للمعايير الدولية لضمان النزاهة والشفافية والشرعية.
  • احترام الفصل بين السلطات وعلى رأسها السلطة القضائية المستقلة واحترام قرارتها.
  •  لا تتوقف الديمقراطية فقط على الأجيال الحالية، بل تضمن للأجيال القادمة دولة متماسكة ومالية عمومية متوازنة وبيئة سليمة وخاصة تواصل مبادئ الحرية والعدالة والتضامن.