
( عادل اللطيفي) هو سؤال قديم متجدد. سؤال قديم ارتبط عموما بتطور الفكر اليساري وبتنوعه وخاصة بتشظيه المتواصل في سياق تطور الواقع وتعقده. كما ارتبطت حيويتة بتأثر الفكر اليساري عموما إلى حد ما بتطور العلوم الاجتماعية والنظريات الفلسفية. كان السؤال قد أثير بإلحاح في كل الأوساط اليسارية من كل الثقافات على إثر سقوط المعسكر الشرقي مع نهاية الثمانينات وضمان اللبرالية هيمنة ساحقة وفي أكثر أشكالها تطرفا والمتجسدة في رموز سياسية من مثل رونالد ريغن وجورج بوش الأب ومارغريت تاتشر. لم يكن العالم العربي بمنئى عن هذه التحولات وتونس بالتحديد بالنظر إلى قدم تقاليد الفكر اليساري في البلاد. في تونس عاش اليسار هذا التحول بشيء من المرارة وبنوع من الانهزامية. لقد رأى الكثير من اليساريين وقتها نهاية للفكر المعارض ولابد من الانخراط في الواقع السياسي للفعل فيه دون انتظار ثورة لن تأتي. ضمن هذه الانهزامية الفكرية ربما نفهم انخراط العديد من الوجوه اليسارية التونسية في المشروع الذي اقترحه بن علي بعد انقلاب السابع من نوفمبر وربما نذكر من بينهم محمد الشرفي وسمير العبيدي. أعتقد أنها نقطة مهمة لا بد من الانتباه إليها لفهم هذا الموضوع الذي يستغله البعض لتشويه اليساريين في تونس لكن دون أن يعني ذلك إعفاء مسؤولية البعض منهم في انخراط كلي في فساد النظام السابق.
لكن السؤال يستعيد اليوم حيويته في تونس بعد الثورة. هو لم يطرح بشكل مباشر لكنه طرح حول دور اليسار في الثورة، حول طبيعة الثورة ثم حول مكانه في رسم المجتمع البديل. وقد اختلفت تفاعلات اليساريين والمتعاطفين مع الفكر اليساري بين الاقتناع بأن الثورة كشفت عن واقع جديد غير متوقع يجب التأقلم معه وبين رافض أصلا لكون ما حصل هو ثورة خاصة بعدما أفرز المسار الانتخابي فوز الإسلاميين. إذ يقول البعض أن الثورة لا يمكن أن تكون رجعية وتعطي فوزا لقوى اليمين الديني. كل هذه الأسئلة هي حسب رأيي مؤشرات لنوع من الانسداد الفكري الناتج عن تناقض صارخ بين ذاتية الإيديلوجيا المتكلسة وموضوعية واقع متغير ومتحول.
سأحاول من خلال هذه المساهمة عرض وجهتي نظري معتمدا أساسا على الحالة التونسية وربما العربية آخذا بعين الاعتبار بعض الخصوصيات الثقافية والتاريخية في هذا المجال، لا باعتبارها خصوصية مطلقة بل باعتبارها جزء من التنوع البشري العام.
بعض من عناصر الانسداد الفكري
لا بد من التأكيد منذ البداية بأن ما نسميه بالخطاب اليساري ليس متجانسا على قدر عدم تجانس اليسار نفسه في البلاد العربية. ولو اقتصر نظرنا على الحالة التونسية لميزنا بين ما يمكن أن نسميه باليسار الثوري عموما والتمثل في تياري حزب العمال ومجمل الوطنيين الديمقراطيين وبعض التوجهات التروتسكية ثم تيارات اليسار السياسي أو ما يقابل الاشتراكية الديمقراطية على النمط الأوروبي وقد نصنف ضمنها حزب المسار ونسبيا الجمهوري وحزب العمل. نقطتان تميزان هذان التوجهان حسب اعتقادي وتتمثلان في تمسك التوجه الأول بمقولة الثورة وبالوفاء لصرامة النموذج النظري الاشتراكي وأدوات تحليله على خلاف الثاني الذي سبق وأن اندرج في العمل السياسي الإصلاحي وانتقل على مستوى النموذج المجتمعي البديل من الخيار الاشتراكي النظري إلى ما يمكن تسميته بالديمقراطية الاجتماعية.
لكن للعالم العربي نوع من الخصوصية في هذا السياق وتتمثل في وجود تيار فكري كان فاعلا طوال القرن العشرين وبالأخص قبل هزيمة 1967 وهو التيار القومي العربي. كيف يمكن أن نصف القومية العربية، سواء في تونس أو البلاد العربية الأخرى؟ هل هي فكر يميني أم يساري؟ ربما تتطلب الإجابة تحليلا أعمق في هذه النقطة لكنني أكتفي بالقول بأن الفكر القومي هو فكر يساري من حيث بعدين. البعد الثوري من خلال مقولة الجماهير، رغم أن التجارب التي عاشها العالم العربي لم تجسد هذه المقولة بل ما حصل كان انقلابات عسكرية لحقها سند شعبي كما حصل في مصر سنة 1952 وكذلك في العراق وفي سوريا مع التوجهات البعثية. ثم من جهة ثانية الاعتماد الاعتماد على المشروع الاشتراكي كبديل اقتصادي واجتماعي وإن لم تتحقق من خلال التجارب المذكورة إنجازات كبيرة. هذه ربما نقاط مشتركة بين اليسار الكلاسيكي وبين تيار القومية العربية. أما على مستوى الأسس النظرية للقومية والمواقف الاجتماعية (الأسرة، الدين…) فتعد حسب رأيي منظومة غير تقدمية باعتبار أن فكرة القومية في حد ذاتها هي فكرة يمينية مهما كان المشروع الذي تطمح إليه. وفي هذا السياق نفهم مثلا تشبث القوميين بمسألة الهوية في قراءة عاطفية للإسلام باعتباره مقوما من مقومات الوجود العربي أي في إطار الخصوصية الأنثروبولوجية. أخلص فأقول أن التيار القومي يبرز كتيار يساري على مستوى المواقف السياسية لكنه يبقى محافظا على مستوى الأسس الفكرية وعلى المستوى المجتمعي.
لهذه الأسباب سأركز على مختلف التيارات المذكورة سابقا والتي تصنف نفسها ضمن العائلة اليسارية الكلاسيكية أي الإيديولوجية (الثورية) والعائلة اليسارية السياسية.
إن ما يجلب الانتباه في خصوص التيار اليساري الثوري هو ما نلاحظه إلى اليوم من تشبث بخطاب إيديولوجي قديم يقفز على واقع شديد التغير والتعقيد كما ظهر في سياق الثورة التونسية. ونلاخظ هذا أكثر من خلال بعض الأسئلة التي طرحت للنقاش مؤخرا. من ضمنها السؤال الذي أعد سؤالا مركزيا حول طبيعة المجتمع وحول طبيعة النظام. وما زال البعض يستعمل مفردات من قاموس يبدو مسقطا على الواقع من بينها الكمبرادور والسماسرة والتي لا تتماشى مع التحولات العميقة التي شهدها اقتصاد أصبح عالميا بامتياز. كما أنها مفردات لا يمكن أن تؤدي إلى تحقيق مكاسب تعبوية وانتخابية للقائلين بها باعتبار غموضها بالنسبة للفاعل الاجتماعي العادي. استعمال هذه المفردات يعكس حسب رأيي نسقا تفكيريا عكسيا بحكم انطلاقه من النموذج النظري للوصول إلى الواقع وربما قولبة هذا الواقع ليتماهى مع الأرضية النظرية. ويفسر هذا الإشكال إلى حد ما اضطراب رسم التحالفات الحزبية بين اليسار والأحزاب الأخرى. ذلك أن الهوس بالنموذج النظري الإيديلوجي يجعل فهم الواقع واستيعابه عملية صعبة مما يفوت فرصة الوقوف على الرهانات السياسية الحقيقة سواء الهيكلية (الاستراتيجية) منها أو الظرفية.
يمكن أن نتتبع حقيقة هذا الانسداد الإيديولوجي من خلال موضوع الثورة في انتظار التطرق لمواضيع أخرى لاحقا. كانت الثورة في تونس مفاجئة ككل الثورات عبر التاريخ وكان ذلك أول مصدر للتساؤل حول مدى انطباقها على نموذج الثورة المثالي في الذهنية اليسارية. إن عدم توقعها يحمل ضمنه تشكيكا في مقولة التاريخ الخطي في صيغته الطبقية كما تقول بذلك أدبيات المادية التاريخية الكلاسيكية. هذا على المستوى الشكلي. أما على مستوى المضمون فإن النموذج النظري للثورة التي يقودها حزب الطبقة العاملة لا ينطبق على ما حصل في تونس وهذا واضح وهو ما أنتج ذلك الجدل العقيم حول اعتبارها ثورة أم انتفاضة أم ثورة غير ناجزة إلخ…. مرة أخرى نذهب إذن في إعطاء الأولوية للنموذج النظري على حساب واقع أكثر تعقيدا.
يتعمق هذا الانسداد (blocage) النظري مرة ثانية بسبب صعود الإسلاميين في انتخابات 23 أكتوبر كما حصل في مصر وفي المغرب. فوجد نموذج الثورة الكلاسيكي نفسه في تحد التاريخ الفعلي والواقع المجتمعي وهب العديد يبحث في تفسيرات جانبية من صنف قدرة الدين على التعبئة وصولا إلى المؤامرة الأجنبية.
أعتقد أن طرح التساؤل حول طبيعة الثورة لا يعني بأي وجه من الوجوه غياب اليسار عنها بل أكاد أجزم أنه كان له فيها الزاد الأوفر من المساهمة. وأوضح هنا أنني أتحدث عن اليسار كثقافة وكتقاليد نضالية وكأطر تنظيمية وفي النهاية كرموز أكثر من حديثي عنه كأحزاب. أعتقد أن اليسار يتميز بحضور قوي كثقافة لكن بفاعلية سياسية أقل بكثير. فالمواطن العادي يحب الاستماع للخطاب اليساري لكن قد لا يختاره بديلا سياسيا وعلى اليسار الثوري أن يطرح على نفسه هذا السؤال. قوة الثقافة اليسارية في الثورة تبرز بشكل جلي من خلال شعار “شغل، حرية، كرامة وطنية” الذي هو امتداد للشعار الجامعي لليسار بشقيه العمالي والوطني. دور التراث اليساري في الثورة يبرز كذلك من خلال دور اتحاد الشغل التي أطرت إلى جانب كبير تحركات الشارع ومن خلال شخصياته ورموزه مثل سجن حمة الهمامي وحيوية شكري بلعيد مع المحامين ونشاط مية الجريبي (إن أردنا الحديث عن الاشتراكية الديمقراطية.
هناك عوامل ساعدت على استفحال هذا البون بين الواقع المتخيل إيديولوجيا والواقع الناجز تاريخيا. أعتقد أن العامل الأول الذي يفسر هذا الانغماس الإيديولوجي يتمثل في عدم الاستفادة من تطور العلوم الاجتماعية والإنسانية بما فيها النظريات القريبة من المنظور الماركسي مثل سوسيولوجيا إيميل دوركايم وفلسفة ميشال فوكو خاصة في أركيولوجية المعرفة. العامل الثاني يتمثل في عدم الأخذ بعين الاعتبار ظاهرة العولومة في بعدها التاريخي وليس فقط في بعدها الاقتصادي والمالي. فقد أصبح الاقتصاد العالمي وخاصة بعد الحرب الباردة مترابطا بشكل أصبح معه الحديث عن الاستقلالية الاقتصادية ضربا من الوهم. ثم العامل الثالث والمتمثل في عدم الأخذ بعين الاعتبار طبيعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية في العالم والتي شملت تغير الهياكل الاقتصادية من خلال تراجع دور النشاط الصناعي ومن ورائه نسبة الطبقة العاملة من التركيبة المهنية والاجتماعية. في نفس هذا المعطى لا ننسى إعادة توزيع العمل والتخصصات الاقتصادية بتخصص المركز (كما رآه سمير أمين) في اقتصاد الخدمات والتكنولوجيا العالية مع توزيع بعض من مراحله في “الهوامش”.
في معنى اليسارية اليوم
تساؤلنا هنا يربط معنى اليسارية بإطار زمني محدد هو اليوم. وهذا يعني ضمنا أن هذا المعنى مرتبط بسياقات وظرفيات تاريخية متحولة أي أن هناك في النهاية إقرار بتاريخية السؤال. يوجد إقرار ضمني كذلك بوجود خصوصية ما للواقع الحالي قد تقطع مع النظرة الكلاسيكية. وبالفعل فقد طرح السؤال كما أسلفنا في عديد المراحل التاريخية التي تزامنت مع أزمة الفكر الاشتراكي والشيوعي عموما. ولعل أهمها كان في الثلاثينات للرد على الدكتاتورية الستالينية.
الفيلسوف جيل دولوز (Gilles DEleuze) وفي إحدى محاوراته الصحفية يرى أن تعريف اليساري هو مسألة تصور (perception) فاليميني يرى العالم من خلال تدرج يشبه العنوان البريدي، على سبيل القياس، فينطلق من شخصه إلى بيته ثم الشارع والمدينة والدولة والعالم. فيقول أن مشاكل العالم بعيدة عنه وأنه يبحث عن وسيلة لاستمرار وضعه المطمئن. أما اليساري فيفعل العكس أي أنه ينطلق من العالم ليقول أنه قريب منه وأن هناك مشاكل لا بد من حلها كي يصل صداها فيما بعد إلى الحلقة الضيقة وللفرد. هناك إذن مسألة تصور الأفق بالنسبة لليساري الذي يركز على الاختلالات الموضوعية العامة التي تفسر في النهاية وضعا ذاتيا معينا. في حين ينطلق اليميني من ذاته ليرى العالم فإن اليساري ينطلق من العالم ليرى ذاته. هذا التعريف مهم لأنه يخرج من الإيديلوجيا ومن القاموس السياسي باتجاه التصور الفردي وتنزيله في سياقه الإنساني. لكن لا بد كذلك من وضعه في إطاره الخاص لبداية التسعينات من القرن الماضي أي عندما كان الفكر اليساري في أوروبا عموما وخاصة في فرنسا يشكو من انسداد الأفق السياسي الداخلي. وهذا يجعل دولوز يغض الطرف عن المبادئ والأفكار والمشاريع السياسية.
يوجد اختلاف آخر يتمثل في أن اليمين في الغرب هو يمين سياسي على عكس اليمين لدينا اليوم وهو يمين ديني بالأساس إذا اقتصر تحليلنا على مستوى المجتمع البديل ثقافيا واجتماعيا. هذا يعني أن اختلاف التصور في حالتنا ليس مرتبطا فقط بمنهجية تصور العالم في بعده الجغرافي (الوطني اللبرالي في مواجهة الخارج) بل باختلاف في تصور الزمن كذلك. فالزمن لدى اليمين السياسي في الغرب هو تواصلي وتطوري في إطار ديمومة النموذج السائد أما بالنسبة لليمين الديني لدينا فالزمن ارتدادي بما يسمح بالعودة إلى الماضي. فيميننا الديني ماضوي وليس محافظا وهذه نقطة مهمة حسب اعتقادي يجب على اليساري أن يوليها أهميتها خاصة في الظرف الراهن.
بالنظر إلى هذه الاختلافات أعتقد أنه في حالة مجتمعاتنا تكتسي مسألة المبادئ العامة أهميتها بالنظر إلى أن الرهانات مرتبطة بواقع سياسي وثقافي له خصوصية في الظرف التاريخي الراهن كما رأينا. وفي هذا الإطار يتقاطع اليسار في بعض المبادئ العامة مع تيارات أخرى ومن ضمنها التيار اللبرالي في شكله الكلاسيكي الذي يركز فقط على اقتصاد السوق وعلى مسألة الحريات. نأخذ مثالا على ذلك مبدأ العقلانية والأنسنة (humanisme) والحرية في حين يتميز الفكر اليساري هنا بتركيزه على مسألة العدالة الاجتماعية كما يتميز على المستوى البعيد في نظرته الثورية تجاه المنظومة الرأسمالية.
– مبدأ العقلانية: اعتقد أن اليسارية هي بالأساس نوع من العقلانية الفكرية. وهذه العقلانية هي التي تمثل الوعاء الفكري الذي يحتضن مجمل المواقف الأخرى ذات العلاقة سواء من المجتمع أو من النظام أو من الأفكار والإيديولوجيات. العقلانية ليست مذهبا فكريا، بل هي طريقة لفهم واستيعاب التجربة البشرية باستعمال العقل (الذي يجب تفريقه عن المنطق). هي تتميز عن المعرفة المبنية عن الحدس وعن المعرفة القبلية وعن المقاربة الذاتية العاطفية. أي أنها تتضمن مقاييس يمكن التفكير فيها وتفكيكها وفهمها مثلما الواقع والممارسة التي تنشد معالجتها. في هذا السياق على اليساري أن يفهم مختلف السياقات الفلسفية التي تطورت ضمنها العقلانية وتطورت من صيغتها اليونانية إلى ديكارت وكانط وهيجل وماركس باعتبارها تجارب للبناء وليست نهائية.
تطرح هنا إشكالية عدم استفادة اليسار من التطورات المهمة التي حصلت في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية وبقيت محنطة في إشكال إيديولوجية تعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان إيميل دوركايم مثلا قد أحدث ثورة في دراسة الدين لا باعتباره بنية فوقية، بل باعتباره نشاطا اجتماعيا مثل بقية الأنشطة فخرج بذلك من مقولة نهاية الأديان ليركز على التغيرات والتحولات التي تحدث للدين كظاهرة اجتماعية. عمليا، يفيدنا علم اجتماع الأديان لفهم ظواهر التدين الحالي في العالم العربي وفي تونس كذلك دون السقوط في التفسيرات التبسيطية من نوع التحالف الأمريكي الإخواني أو المال النفطي. أي أن العلاقة لم تعد علاقة إيمانية أو إيديولوجية، بل علاقة معرفية مع ما يتطلبه ذلك من موضوعية في العلاقة مع الموضوع.
نفس هذه العقلانية تفترض استعمال المنهج التاريخي في فهم الواقع في تطوره وفي تعقد تواصله مع محيطه وذلك باستعمال أدوات تحليل علمية مستمدة من مختلف العلوم وليس من نموذج إيديولوجي معين. وهذا يعني أن هذه المعرفة هي إنشاء متواصل قابل للمراجعة ولا يمكن أن تكون بناء نهائيا. في هذا السياق نقول أن العالم والاقتصاد والمجتمع تطور بشكل يجعل من فكر ماركس ومواقف لينين مجرد حلقة من حلقات تراكمية للمعرفة العقلانية. فالمعرفة الحقيقية هي تفكيك وتجاوز متواصل. لا بد إذن من تنسيب مفهوم التاريخ الخطي ومن مقولة الحتمية التاريخية “الصامتة” المنية على مبدأ صراع الطبقات. فالطبقات والصراع لا تختزل لوحدها التاريخ بل هي عناصر من ضمن عناصر أخرى مثل التواصل والتبادل والتأثر والثقافة والوطنية والدولة إلى غير ذلك. أقول هذا خاصة ونحن نلحظ التغيرات في العالم وكيف أن المجتمعات لم تعد تتشكل فقط ضمن مفهوم الطبقات الكلاسيكي بل ضمن فئات عامة مثل الفقراء والمستهلكين كما أشارت إلى ذلك أعمال بيار بورديو.
ضمن هذا المنظور التاريخي كذلك يجب تنسيب مفهوم الثورة فهي احتمال ممكن في التاريخ وليست حتمية. فتطور الإنسانية قد يحدث نتيجة تطور فجائي كما يمكن أن يكون نتيجة تراكم بطيء ومتواصل مثل حالة إنجلترا. في هذا الإطار أرى النقاش حول طبيعة ما حصل في تونس إن كان ثورة أم انتفاضة هو نقاش عقيم لأن المهم هو ما حصل وليس ما كان يجب أن يحصل. يقول المؤرخون ثورة ليس بالنظر إلى نموذج نظري مكتمل بل في حدود ما توحي به المصادر وما تسمح به. على سبيل الذكر يعتبر المؤرخون في تونس أحداث 1864 بقيادة بن غذاهم ثورة وهذا بالمنظور البحثي المعرفي وليس بالنظر إلى مشروع سياسي ما.
كنتيجة أخرى لهذا البعد العقلاني يمكن أن نتحدث عن الواقعية على مستوى الممارسة. فعقلانية اليساري وتاريخانيته تجعله بالضرورة واقعيا على مستوى الممارسة السياسية بالخصوص. أي أنه يثري نموذجه النظري من خلال فوران الواقع وتغيراته وليس العكس. كما أن مثل هذا الاعتبار يجعل من الممارسة السياسية لليساري تدور حول ممارسة وتطبيق الممكن وليس تفعيل النموذج النظري والمبدأ.
– الأنسنة: وهو المبدأ الذي جسده إلى حد ما تعريف جيل دولوز من خلال اعتبار الفرد امتدادا للآخر وللإنسان في كليته. وضمن هذا المبدأ يمكن أن نتناول مسألة العدالة الاجتماعية باعتبارها الإطار النهائي لتحقيق الإنسان. إن العدالة الاجتماعية تمثل تحديا فعليا لليساري اليوم. إذ عليه أن يجيب على ثلاث أسئلة: ما هو مضمون العدالة الاجتماعية؟ ما هي آليات تحقيقها؟ هل هي الضامن الوحيد والنهائي لتحقيق الإنسان؟ أحاول هنا تقديم مقترحات للبحث والنقاش أكثر منها حلولا مكتملة وذلك على أساس الواقعية.
أعتقد أنه لا يمكن اختزال العدالة الاجتماعية في مقولات مثل إلغاء التفاوت الطبقي أو ضمان نفس مستوى العيش لكل الأفراد. لقد بينت التجارب التاريخية عدم واقعيتها وتحولها إما إلى فقر معمم أو إلى هيمنة الدولة على المجتمع. أعتقد أنه في إطار الواقعية العقلانية التي أشرت إليها يجب أن نقول اليوم أن هذه العدالة تتمثل في ترسيخ (القانوني والفعلي) حق كل فرد في العالم في الاستفادة من النمو الاقتصادي ومن تطور مجالات الحياة المختلفة دون تمييز. إلى جانب هذا البعد الحقوقي والمعيشي هناك بعد أخلاقي وإنساني كذلك يتمثل في مبدأ الكرامة والحرية بمختلف مجالاتها. هي إذن “منظومة” متكاملة تشمل عديد المستويات. أما بالنسبة لوسائل تحقيقها فأعتقد أنه لو التزمنا بشيء من الواقعية لأمكننا تصور منظومة اقتصادية وقانونية متكاملة قد تساعد في الدفع نحو تحقيق هذا المبدأ بعيدا عن فكرة زوال الطبقات. أعتقد أنه يجب التفكير، على الأقل في الوقت الراهن وبالتحديد في تونس، في نوع من التكامل بين القطاع الخاص والقطاع العام ثم القطاع التعاوني. لكن الأمر ليس على هذا القدر من السهولة بل يجب التفكير كذلك في التواصل مع الاقتصاديات الإقليمية والدولية. علينا أن ننفتح حول مفاهيم جديدة مثل الاقتصاد الاجتماعي أو التجارة العادلة وغيرها من التجارب.
الحرية: وهي مبدأ مهم لكنه طالما ظل متخفيا في الأدبيات الكلاسيكية تحت عباءة الرهانات الاقتصادية والاجتماعية. من جهة ثانية يخلط العديدون بين الحرية كمبدأ فلسفي عام وبين الحرية الاقتصادية التي بلورتها اللبرالية. الحرية هي الضمانة لوجود الفرد والمجموعات كفاعلين سياسيين. والسياسة والدولة هي الأطر التي يتم ضمنها تحقيق المستويات الأخرى بما فيها العدالة الاجتماعية. هكذا يبدو أن الرهان الحقيقي اليوم هو الحريات والدولة باعتبارها الشروط الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية. وبما أن هذه الشروط مهددة وأن التطرف الديني يريد اليوم تطويع الدولة للهيمنة على المجتمع فأعتقد أن طبيعة التحالفات السياسية تبدو سهلة التحديد في هذه الفترة الحساسة. لكن في نفس الوقت يبدو استمرار الدولة والحريات في واقع من الفقر المعمم ومن التفاوت الاجتماعي والجهوي أمرا مستبعدا. هي إذن اليوم في تونس منظومة متكاملة يجب أن نضمن ضمنها الحريات وكرامة العيش في ظل إطار دولة المواطنة والقانون.
خلاصة القول هنا أن اليسار اليوم هو عقلاني، واقعي، إنساني وحر وهي أبعاد تجعل من اليساري حداثيا بطبيعته ومهمته هي مواصلة البناء الحداثي في إطار إنساني يبتعد عن الانتكاسات التي رسخها اقتصاد السوق مدعوما بعولمة مالية مهووسة بالربح ولا غير الربح. لا بد من الخروج من اليسارية الثورية الإيديلوجية نحو يسارية واقعية تاريخانية هي بالضرورة حداثية وقادرة على تقديم الإضافة للمساهمة في البناء الحداثي.