الجمعة , أبريل 17 2026

عودة أمريكية إلى ما قبل الحداثة

لا يكاد يمر يوم دون أن يثير الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، اهتمام الرأي العام الداخلي والعالمي بتصريحاته الغريبة والمنبتة عن الواقع. فبعد أن ولت الحملة الانتخابية وما صاحبها من وعود خيالية، ها هو يصرح بما يخالف الأعراف الدولية وأعراف حسن العلاقة بين الأصدقاء فيما تعلق برغبته في الحصول على جهات من العالم وحتى على دول ذات سيادة وصديقة لأمريكا. إنها رؤية للمجال الجغرافي العالمي تعيدنا إلى ما قبل الحداثة. عودة تتأكد أيضا من خلال طريقة التعامل مع الدولة الأمريكية ذاتها ومؤسساتها.

لقد غالى ترامب في تصريحاته الأخيرة بمناسبة أعياد الميلاد عندما عبّر على منصة إكس عن رغبته في الحصول على جزيرة غروينلاد التابعة للدنمارك مقابل تعويض مالي. وذهب أبعد من ذلك حين عبر عن رغبته في السيطرة على بنما وحتى على إلحاق الدولة الكندية لتصبح ولاية أمريكية. مع هكذا تصريح يبدو أننا خرجنا من الغريب إلى الوقح لما في ذلك من تحقير للدول المعنية. إذ يتناسى الرئيس الأمريكي المنتخب بأنه يخاطب دولا ذات سيادة وتشدد دساتيرها على وحدة ترابها الوطني. لكن التوسع الإمبراطوري الذي يريده ترامب ينفي وجود الحدود الثابتة والسيادة وهي من أهم ركائز الدولة الوطنية الحديثة. إنها عودة إلى ما قبل الدولة.   

نلاحظ هذا التوجه نحو العودة إلى ما قبل الحداثة أيضا من خلال تصرفه في توزيع المهام الحكومية. إذ يأخذ الأصدقاء والعائلة مكانة أساسية في قائمة التعيينات وذلك على خلاف منطق الدولة الحديثة المؤسس على عدم شخصنة الحكم وخاصة على حياد الإدارة. فهذه الأخيرة التي يعتبرها ماكس فيبر عماد الدولة الحديثة، تصبح مع ترامب عبئا على الحكم. كما أن تعامل الرئيس المنتخب بنفس المنطق مع القانون بصفة عامة ليغيره حسب أهوائه يأخذ نفس المنحى. فقد طلب من المحكمة العليا الأمريكية تعليق التهديد بحضر تيك توك والحال أنه هو من سعى إليه سابقا. والسبب معروف لأن أحد أهم داعميه في حملته، وهو جيف ياس، يمتلك قرابة 30 مليار دولار أسهم في تيك توك. لقد انتهى القانون إلى مجرد وسيلة للحكم وفقد قيمته كعقد اجتماعي.

قد يرى البعض أن تصريحات ترامب من باب المبالغة، لكنه فعلا لا يؤمن كثيرا بالدولة، بل ربما يعتبرها     ضربا للحرية كما يراها. في نفس الوقت، هو شخص مهووس بالظهور الإعلامي وبالمظاهر الفرجوية التي يكون هو محورها. لأن اهتمام الأشخاص يعطيه الإحساس بالرضى وبالنجاح وخاصة بالعظمة. هذه العناصر هي أهم لديه من الدولة ومن القانون وحتى من أمريكا. 

عن admin

شاهد أيضاً

في تغييب القانون الدولي

تؤكد الحرب الإيرانية الإسرائيلية مجددا أن منطقة الشرق الأوسط تعد أهم ركح يتجسد فيه أبرز مظهر من مظاهر تراجيديا الإنسانية المعاصرة وهي الحرب. وتتعزز هذه التراجيديا الشرق أوسطية بوجود منحى لدى السياسيين والإعلاميين في البلدان الغربية لتغييب مفهوم القانون والانتشاء، مقابل ذلك، بنتائج اختلال ميزان القوى العسكري لصالح إسرائيل سواء في الحرب على غزة أو في مواجهة إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *