الأحد , نوفمبر 30 2025

كيف يعرّفنا الأدب على ذواتنا؟؟

(فهمي بلطي)

ظاهريّا، قد يبدو نشازا الحديث عن الأدب وسط الفوضى التّي تطال العالم في الرّاهن، إذ نحن، لم نعد نواجه استعمارا عسكريّا واقتصاديّا وثقافيّا فحسب، بل أصبح علينا أيضا أن نتحمّل كلّ مستجدّات إمبراطوريّة الدمّ والبلاهة وهي تذهب بنا مباشرة نحو الخراب.. إنّها تهدّدنا بالموت الفجئي جرّاء الأوبئة، بالعطش والجوع والبطالة، بالاكتئاب والعزلة وانعدام الرّغبة في الحياة، بالحرب في كلّ دقيقة على كلّ شبر من الأرض، بل تسعى أساسا إلى تشييئنا ونزع الإنسانيّة عنّا نهائيّا، بعد أن شيّأت نفسها هي أوّلا إذ أصبح كلّ الذّي يعنيها هو مجرّد الرّبح على أنقاض الإنسان والأرض.. (كلّكم يعلم مآلات التّصنيع الفلاحي المجحف، ومآلات التسليح وتخصيب اليورانيوم، مآلات استنزاف الأرض والحفر اللا نهائي عن المعادن والغاز والبيترول، مآلات السّوق الحرّة وتسريع المبادلات التجاريّة مثلما يعلم مآلات النّظام التعليمي الحديث أو الأنظمة المصرفيّة القائمة على الدّين والاقتصاد النّقدي إلخ)

يبدو الأدب إذن، في الظّاهر، في منأى عن كلّ هذه الفواجع، إذ أنّ المتعارف عليه هو أنّه أداة للتّرفيه أو ربّما للهروب من الواقع، أو للعيش في عالم خياليّ أو طوباويّ مواز.. لكن، إذا ما استندنا إلى فرانز فانون نفسه في قوله إنّ الاستعمار هو بالأساس استعمار للكائن أقول جيّدا الكائن، سيكون عندئذن للأدب رأي آخر ودور آخر، بل إنّنا على الأرجح سوف نجد أنفسنا نستنجد بالأدب تحديدا في هذه اللّحظة التاريخيّة الفارقة التّي يعيشها جميع سكّان كوكب الأرض..

“عالم مجزّأ، مانوي  Manichéiste  ثابت، عالم مكتظّ بالتّماثيل: تمثال الجينيرال الذّي يقوم بالغزو، والمهندس الذّي يصنع الجسر. عالم واثق من نفسه، يسحق بحجارته الأشواك التّي خدشها السّوط.” هكذا يصف فانون عالم المُستعمِر.. بيد أنّ هذا العالم أصبح أكثر من هكذا بقليل.. فهو لن يكون فحسب عالم النّكوص القومجي أو العرقي والدّيني بانتشار الحروب الأهليّة والطائفيّة لشعوب ما بعد الاستعمار، ولا فحسب عالم الهيمنة الاقتصاديّة والثقافيّة عن بعد، أو عالم صدام الحضارات كنموذج جديد للخطاب العنصري، بل أيضا وربّما أساسا عالم الجنون وفقدان السّيطرة وكأنّ الإنسان في المطلق، شمالا وجنونا، شرقا وغربا سوف يغزو نفسه بنفسه من حيث لا يدري..

لنبدأ من النّهاية أوّلا، ولنتحدّث عن الغزو الرّاهن الذّي بات يهدّد الإنسانيّة بأكملها، سواء كانت مهيمنة أو مهيمنا عليها.. غزو التكنولوجيا، بإحداثيّاتها المتعدّدة والتي صارت الوسيط رقم واحد في العالم بأسره بين الإنسان ونفسه قبل أن تكون وسيطا بينه وبين الآخر.. هذه الإحداثيّات التّي باتت تضرب في العمق، أخطر شيء على الإطلاق ألا وهو الرّغبة، الرّغبة التّي يطلق عليها سبينوزا هذا الاسم الجليل: عصب الوجود.. طبعا، ومثلما تعلمون جميعا، تتخطّى الرّغبة الجنس كي تطال الصّداقة، العلاقات الأسريّة، العلاقات المهنيّة والإبداعيّة، العلاقات المعرفيّة بين طالب المعرفة وناقلها، بل أيضا علاقة الإنسان بالطّبيعة والمحيط وسائر الكائنات غير البشريّة.. هذه الرّغبة أصبحت مخنوقة تماما بفعل الغزو التّكنولوجي Désir asphyxié على حدّ تعبير برنار ستيغلار، حيث أنّ هذه الإحداثيّات والخواريزميّات باتت تقترح عليك كلّ ماهو متعلّق بحياتك دون أن تكون أنت مجبرا على بذل أيّ مجهود يذكر: أين تقضّي عطلتك، ما هو الأكل الذّي يناسبك، ماهي الطّريقة الأنجع لإغراء امرأة، من هم أصدقاؤك الأنسب، ماهي الألعاب أو وسائل التّرفيه المتوافقة مع شخصيّتك، كيف تستطيع أن تنمّي نفسك للخروج من شعور الكآبة أو الحزن إلخ.. هذه الوساطة تمارس إغراء فظيعا على الإنسان المعاصر بدعوى أنّها تسهّل عليه حياته فيما هي أساسا تخنق رغبته بالمطلق وتجعل منه مجرّد مستهلك ممحوق الكينونة.. إنّها تقريبا تسمّم علاقته الحسيّة -بل والمجرّدة أيضا- مع نظيره الإنسان ومع العالم.. فهل هناك ما هو أفضل من الأدب لإنقاذ الإنسان من هذا الطّاعون ولإعادة إحياء علاقته الحسيّة مع العالم؟؟ لنحاول فقط أن نتخيّل عالما محكوما بالإحداثيات الألكترونيّة والخواريزمات، عالما خاليا من قصائد هومير ومحمود درويش أو هنري ميشو أو محمّد الماغوط أو أمل دنقل أو كرستوف تاركوس.. لا شكّ أنّ الصّورة التي سوف تأتي إلى أدمغتكم هي تحوّل قلب الإنسان إلى بطريّة أو محرّك أو مجرّد إحداثيّة إلكترونيّة…

الغزو التكنولوجي القائم على المردوديّة والنّجاعة والسّهولة، لا يجعل منّا كائنات حمقاء وكسولة فحسب بل هو يقضي علينا كنوع بشري.. فكيف لنا أن نعاود استيطان إنسانيّتنا في غياب الأدب؟؟

الشّعر مثلا، قراءة أو كتابة.. الشّعر الذّي هو تجربة وجوديّة وشعوريّة هائلة تحتفي بالكائنات الحسيّة والمجرّدة معا دون وساطة تقريبا، الشّعر الذّي هو التحام مباشر مع الكون والإنسان وإنصات فوريّ لخلجات كلّ واحد منهما.. الشّعر الذّي هو استعارة وتسمية وكثافة شعوريّة وحسيّة وتكاثر للّغة والتّعبير أليس هو الشّعلة المثلى التّي توقد فينا الرّغبة وتعيد تأصيلنا داخل النّوع الإنساني أمام خطر المكننة الإلكترونيّة والغزو التّكنولوجي؟؟

يتحدّث فانون في أكثر من مرّة واحدة عن إعادة تأهيل الإنسان وإعادة تأهيل العالم  Réhabiliter l’homme et le monde وقد ذهب إلى الأقصى حين نشد هذا الهدف، فمثلما تعرفون جميعا، لا سبيل إلى ذلك من وجهة نظره سوى بالقضاء على كلّ ميكانيزمات الهيمنة المادّي منها أو الرّمزي.. لكن، هل من سبيل إلى ذلك حقّا دون معرفة، وهل من سبيل إلى المعرفة الحقّة، القائمة على الانتماء والشّراكة دون أدب؟؟ منذ خمسينات القرن الماضي وحتّى هذه اللّحظة أصبحنا نشهد تطوّرا مخيفا للعلوم، ليس التجريبيّة فحسب بل العلوم الإنسانيّة أيضا.. لم نعد نتحدّث عن الاختصاص فقط بل الميكرو اختصاص، في الطبّ والفيزياء والمعمار، كما في علم النّفس وعلم الاجتماع.. إنّنا أصبحنا نقسّم المعرفة إلى وحدات صغيرة جدّا تتكلّم لغة تقنيّة غامضة، بل لعلّ المعرفة نفسها بدأت تأخذ منعرجا خطيرا ومفجعا، إذ أنّها باتت تتحوّل إلى مجرّد تقنية ليصبح العارف أو العالم  Le savant    مجرّد تقني معرفة Technicien de savoir  معزول ومحدود يلبّي فقط حاجة النّظام العالمي داخل سوق الشّغل.. بإمكانكم أن تلاحظوا مآلات الطبّ الحديث مثلا أو الهندسة المعماريّة، أو العلوم الفلاحيّة، أو حتّى علم النّفس الحديث.. إنّها علوم تتشعّب وتتشظّى وتنعزل بنفسها، حتّى أنّها تصبح عاجزة عن التّفكير في المصير الإنساني في شموليّته، إنّها تعمل بشكل أوتوماتيكي تقريبا داخل النّظام العالمي الحديث بما يضمن استمراريّته ونجاعته أو بالأحرى الإيهام بنجاعته، لأنّها في الحقيقة تقسّمه إلى وحدات صغيرة مغترب بعضها عن بعض.. والنتيجة هي تقوقع الإنسان أكثر فأكثر على ذاته، هي هوسه بفردانيّته، هي البارانويا وجنون العظمة.. وطبعا هذه الأمراض النفسيّة والاجتماعيّة ليس لها من مآل سوى تفاقم العنصريّة، سوى الحروب الطائفيّة والتصفيّة العرقيّة والإبادات الجماعيّة..

لكنّ الأدب يأتي دائما كي يرتق هذا الشّرخ، كي يعيد معنى الانتماء والشّراكة.. إنّ الأدب يتكلّم لغة إنسانيّة واحدة.. وداخل هذه اللّغة الإنسانيّة الواحدة توجد جميع الصّيرورات والاختلافات والتنوّعات البشريّة.. إذ أنّ التشّعّب والاختلاف داخل الأدب يأتي من الخارج نحو الدّاخل.. إنّه يجمع ولا يفرّق، يثري ولا يستنزف، يؤصّل ولا يغرّب..

طبعا هذا التّقسيم لم يطل المعرفة فحسب، بل طال أيضا أرض النّضال السّياسي في حدّ ذاته.. لا يخفى على أحد أنّ الحركات اليساريّة في عالم الرّاهن، أصبحت تنكص رويدا رويدا، لتحايث هي أيضا طبيعة اشتغال النّظام العالمي بوجوهه التجاريّة والتكنولوجيّة والاستهلاكيّة.. فالمجال الحيوي الرّئيسي لهذه الحركات بات حقوقيّا بالأساس، حقله هو الحريّات الفرديّة، هو حقوق الأقليّات الدينيّة أو العرقيّة أو الجنسيّة.. إنّه نوع من الليبيراليّة الثقافيّة المدفوعة إلى أقصاها على حدّ تعبير الفيلسوف جون كلود ميشيا، والتّي قد تصل بنا في النّهاية إلى ما يُسمّيه هو بالمجتمع المتذرّي  Société atomisée مجتمع رهانه هو الحفاظ على النّزوات الذاتيّة، على الفردانيّة والنّرجسيّة باسم الحقّ، بل إنّها قد تصل إلى حدود خوصصة القيم، خوصصة الجمال والفلسفة مثلما يُخوصص الكهرباء والماء وتخوصص الخدمات الصحيّة، لتنعدم في النّهاية القيم الجماعيّة المشتركة كالتعاون والتّكافل الغيريّة الكرم العطاء إلخ..

إنّ الأدب سوف يأتي دائما كي يجمّع الإنسان وكي يحميه من حماقاته النّرجسيّة ومن نزواته.. الأدب سوف يحمل الفرد داخل رحلة ذهنيّة وحسيّة شاسعة تكشف للإنسان حماقته، وتعيد تعريفه باعتباره شجرة فحسب داخل غابة الإنسانيّة الكبيرة… يقول فارغاس يوسّا:

“لا شيء يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب والفصل الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائمًا في الأدب العظيم: أن الرجال والنساء من كل الأمم متساوون بشكل أساسي، وأن الظلم بينهم هو ما يزرع التفرقة والخوف والاستغلال. لا يوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري، ولا يوجد ما هو مثل الأدب لكي يجعلنا نكافئ ونمجد فروقنا بوصفها مظهرًا من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه. قراءة الأدب الجيد مصدر للمتعة بطبيعة الحال، ولكنها أيضًا تجربة لنعرف من نحن وكيف نكون، بعيوبنا وبنقصنا، من أفعالنا وأحلامنا وأشباحنا، وحيدين وفي العلاقات التي تربطنا مع الآخرين، في صورتنا العامة الظاهرة لدى الآخرين أو في تجاويف وعينا السرية”..

ألا يتجاوز الأدب إذن مجرّد المتعة أو تغيير المزاج أو حتّى تغيير الذّهنيّات إلى ماهو أعمق من ذلك بكثير، أي المساهمة الفوريّة والمباشرة في صناعة الكينونة البشريّة؟؟ ألن يحسّ الواحد منّا أنّه صنع من جديد بعد قراءة الأعمال الروائيّة الكبرى؟؟ هل نظلّ الشّخص ذاته بعد قراءة سرفانتس، قسطنين جيورجو، غابريال غارسيا ماركيز، نجيب محفوظ، الطّيب صالح أو جبرا إبراهيم جبرا، ألا تصبح شخصيّات نموذجيّة كآلونسيو كيخانو، إيوهن موريتز، ميلكيادس، مصطفى سعيد، عمر الحمزاوي جزءا من مخيّلتنا وكينونتنا.. ألا نتمكّن عن طريق الأدب من القيام برحلة عكسيّة، لا نلتقي فيها مع ذواتنا إلّا بعد أن نكون قد التقينا مع الآخر ومع الكون…

لا ينفكّ فرانز فانون يتحدّث عن الانتقال من الإنسانيّة المجرّدة (المزيفة) نحو الإنسانيّة الملموسة (الحقيقيّة)، إنسانيّة تنعدم فيها الأصوليّة العرقيّة، تنعدم فيها الفوقيّة مثل الدونيّة، داخل عالم يعرّف الإنسان تعريفا جديدا، أساسه التنوّع وليس التفاضل، أساسه التكافؤ وليس التمييز العرقي أو الحضاري أو الدّيني.. فهل يمكن الوصول إلى عالم مماثل في غياب الأدب؟؟

لا شكّ أنّ الأدب لا يخرجنا من عزلتنا كأفراد، لننتمي إلى بعضنا البعض داخل الطّيف البشري فحسب، بل إنّه ينمّي قدرتنا على الوعي بباقي الكائنات التّي تعيش معنا على ذات الكوكب.. لا شكّ أنّ علاقتنا مع الحيوان نفسها تتغيّر بعد قراءة ألفراد دوفينيي “موت الذّئب”، وأنّ علاقتنا مع الأشجار ستتغيّر بعد قراءة أمبرتو آكابال “في الكنائس لا نسمع غير صلاة الأشجار وقد صارت مقاعد”، بل إنّ نظرتنا لكلّ ما يحيط بنا وتقبّل حواسّنا للواقع ستتغيّر حتما حين نقرأ لرامبو وأراغون، أنسي الحاج، قاسم حدّاد، محجوب العيّاري…

مهمّة الأدب، ليس الأدب في المطلق، وإنّما الأدب العظيم، الكوني والحقيقي، هي هذه: التعرّف على الإنسان، بعد التخلّص من الفرد، التخلّص من العرق، الأصل، الجذر إلخ.. إنّه الالتقاء مع الإنسان الكبير…

إنّ خلع وهم الأصوليّة والهوويّة والمركزيّة الذّاتيّة، يبدأ في التبّدد رويدا رويدا في لقائنا مع الأدب. أنت في البداية تخال حياتك مهمّة، وهي كذلك بالفعل، لأنّك الشخصيّة الرئيسيّة فيها، بل راويها العليم أيضا.. ثمّ تبدأ في ملاحظة حياتك من الخارج، لتتأكّد أنّها ليست على تلك الدّرجة من الأهميّة، وأنّ الآلام والعذابات والمفارقات والسعادات وكلّ شيء جليل عشته فيها ليس فيه أيّ قدر من الاستثنائيّة، وأنّه مجرّد تفصيل ضئيل في تاريخ التراجيديا أو الكوميديا البشرية الطّويل ثمّ تتخلّى عن الرّغبة في الانتصار لنفسك أو الانتقام لها أو التّمايز عن طريقها، ثمّ تبتعد عن ذاتك، ثمّ تبتعد أكثر، ثمّ تعتقد أنّك التقيت مع الإنسان الكبير، ثمّ تلتقي معه بالفعل، ثمّ تعوم داخله وتمّحي نهائيّا، ثمّ تصبح لا أحد، ثمّ لا شيء بعد ذلك.. ففي تلك اللحظة بالذّات تصبح أصيلا، تصبح أنت، وحين تصبح أنت تصبح مقاوما كونيّا لكلّ أشكال المحق والمسخ..

لعلّ فرانز فانون نفسه كان أديبا، أديبا عن غير قصد، ليس في بعض محاولاته الأدبيّة ككتابة بعض الأشعار أو المسرحيّات وهو طالب، بل في كتبه التّأسيسيّة نفسها. أقصد أساسا ” معذّبو الأرض” أو ” بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”ففانون، وإن كان همّه الرّئيس هو الالتحام بحركات التحرّر وتحريضها على العنف لاستعادة أرضها وكينونتها، كان يكتب أدبا في النّهاية، إذ أنّ كتاباته في التّحليل النّفسي أو التفكيك الفلسفي والسّياسي تظلّ كتابات ذات طابع أدبي، متفجّرة، ساخرة وساخطة، شعريّة أيضا في الغالب.. وهي مفتوحة دائما على الصّيرورات المتعدّدة للإنسان، مثلما يعلّمنا الأدب تماما..

يقول فانون في كتاب بشرة سوداء أقنعة بيضاء: لست سجينا للتّاريخ، ولا ينبغي أن أبحث فيه عن معنى لقدري، يجب أن أذكّر نفسي باستمرار أنّ القفزة الحقيقيّة تكمن في إدخال الإبداع إلى الوجود.. ففي العالم الذّي أسير فيه، أنا لا أكفّ عن تشكيل ذاتي.. أنا جزء من الوجود بقدر ما أنا أتجاوزه”

يقول أيضا: “الوعي في حاجة إلى الضّياع داخل ليل المطلق.. إنّه الشّرط الوحيد كي ينال الواحد منّا وعيه بذاته..”

لكنّني شخصيّا لن أجد أجمل من صرخته الشعريّة هذه والتّي سأحافظ عليها في لغتها الفرنسيّة:

Sang !! sang !! Naissance !! Vertige du devenir !! Aux trois quarts abîmés dans l’ahurissement du jour, je me sentis rougir de sang. Les artères du monde, bouleversées, arrachées, déracinées, se sont tournées vers moi et elles m’ont fécondé

لم يكن فانون مناضلا سياسيّا، أو مفكّرا، أو محلّلا نفسيّا، بل كان بالأساس طبيبا، ليس طبيبا بالمعنى الكلينيكي، بل طبيبا بالمعنى الدّولوزي:

“ذلك أن الكاتب هو بالأحرى طبيب، طبيب نفسه وطبيب العالم، والعالم هو مجموع الأعراض التي يمتزج فيها المرض مع الإنسان. حينئذ يبدو الأدب مشروع صحة أو عافية، لا لأنّ الكاتب يتمتّع ضرورة بصحة جيّدة وإنّما لأنّه يتمتّع بقليل لا يقهر من الصحّة مبعثه كونه رأى وسمع أشياء تفوقه عظمة وقوة، أشياء خانقة ينهكه عبورها ومع ذلك تمنحه صيرورات لا تقوى عليها صحة وعافية تامّة…. إن الصحة الهشة لسببنوزا، طالما هي مستمرّة، شاهدة حتى النهاية على رؤية جديدة تنفتح لها عند العبور”

نعم يا دولوز، ليست صحّة سبينوزا شاهدة حتّى النّهاية على رؤية جديدة للعالم، بل صحّة فانون أيضا، فانون الذّي كان يعلم أنّه ميت لا محالة بعد فترة زمنيّة وجيزة إثر تعرّضه لمرض اللّوكيميا، لكنّه أصرّ أن يكون المريض البطل، أي طبيبا أوكل لنفسه مداواة العالم عن طريق الكتابة، إلى آخر نفس…

لم يزلْ يتنفّسُ هذا الشّقيُّ

قادوه مرّة أُخرى إلى الكِذْبةِ بالسّلاسلْ

لكنّه عادَ أدراجَهُ واقفًا

يطوفُ محمومًا حوْلَ بوّابةِ الدُّنيا

سيحفرُ خندقًا كيْ يمرَّ من تَحْتِهَا نحو أسْرارِهِمْ

يُجَرِّحُ ثوبهمْ

يحرّرُ ما خَلْفَهُ منْ هواءٍ

قادُوه مرّةً أُخرَى وعادَ

يزغرد أنفاسَهُ المكتومَةَ مثل أعْراسٍ بلا أحَدٍ

ويطلقُ أجْسَادَهُ تركضُ وحْدَهَا

في الغرْبةِ الواسِعهْ

ألْفَتُهُمْ من الوَرَقِ المُقوَّى قد انكمشَتْ تمامًا

ليْسَ سِوَى الواجهاتِ مملوءةً بالثّقوبِ

و باتّساخِ يديه الصّافيتينِ

قادوه مرّةً أُولَى وعاد

لم يأته الله معتذرًا عنْ غِيَابِهِ..

حِينَ كَان يُصَدِّقُ جمرةَ صَبْرهِ

الآن والجدرانُ آلهةٌ,

تنطفئ كُلُّها الانتظارَاتُ فوق دمائِهِ البَارِدَهْ

الأيّامُ الّتي انْكشفَ عُريُها

في خجلٍ تجْمعُ عُلبَةَ وقتِهَا

كيْ تنامَ مِنْ تلقاءِ ذاتِهَا في المُهْمَلاتِ…

لم يزلْ..

يحفظُ قلْعَةَ رأسِهِ جَيِّدًا

ومياهَ قلْبِهِ العذْبةَ

يعدُّ في زهوٍ أصابعَهُ الغبيّةَ

كمْ منَ الحماقات قد كتبتْ

ولم تذهبْ إلى الوقْتِ الثّريِّ

لم تحملْ من القمحِ والصّلواتِ زُوَّادَهَا

بلا رعْبٍ سوف تُهْدي للدُّودِ بصْمتَها وليكنْ

راضِيًا سوْفَ يُسَلّمُ أنفاسَهُ

راضيا سوف يصافح عدَمًا واضحًا لا يغُشُّ

لكنّه الآن حيٌّ يكسّر كواليسَهمْ

يذهبُ كي يرى في الخفايا

كيفَ يصْنعُ كِبارُ المدينةِ ناسها:

لا تكفي

خُصيتان وجيْبٌ وربطةُ عُنْقٍ

لصُنْعِ رَجُلْ

لا يكفي قِرْطٌ

وشعرٌ طويلٌ

ونهدان ضخمان جدًّا

لصنع فتاة

قادوه مرّة أخرى وقد فاحتْ روائحُهم إلى حيثُ قادُوه

لم يقلْ إنّه مجنون بني عجْلٍ

في كلِّ يوْمٍ يُجَنُّ في مثل هذه السّاعةِ

فالجُنون مديحٌ أخيرٌ بعدُ لم يستحقَّ رُتبتَهُ

والموتُ واحِدةٌ وقد ماتها عدّةً

فقط.. قال من دمه القصيدةُ… جاءتْ.

فقط.. قالوا ومن دمك الذّئبان… جاعتْ.

ثمّ قادوه وعاد

يعُدُّ لم يزلْ حيّا كريّاته الباقيهْ

يحفظ نبرةَ صوْتِهِ لم يزلْ

يناطحُ الغيْمَ منْ يسقُط منهما أوّلًا

رأسُهُ المُمْطِرُ

أمْ غيْمةُ اُغْمى عليها

يدفّئ خطوة الشّمْسِ في ثقوب جَواربه الباردهْ

يجُرُّ في صمْت رصيف ذاكرة المعارك آدمُ

بِعلمه آدمُ

مهزوماً انحدر…

من وحشةٍ ضِلْعُهُ… يتقوّسُ فيها

إلى وِحْشةٍ فيها… ضاقت ضُلوعُ بَنِيهِ..

بعلمه آدمُ مهزوما اعترف

حوّاءُ خانته

في حضن خنّاسٍ..

في النّار أوجاعٌ..

في الطّين وسواسٌ..

لماذا والأرضُ واحدةٌ

أبناءَك قسَّمت يا نوحُ

لبني سامٍ وبني حامٍ وبني يافثْ

وإلى سودٍ وإلى حُمْر وإلى صُفْر وإلى بيض

قبْل الأوانِ زُلزِلتِ الأرضُ زلزالها يا نوحُ

أنقذت من غرق الماء أزواج الدّجاج

ولم تنقذ من غرق الدَّمِّ أرواحَ بنيك..

وهُوَ..

نائِيا جيِّدا لم يزلْ,

يعشق طرُقًا

لا تؤدّي إلى أصله الفاخرِ

يصاحبُ شجرًا

أو حصًى,

أو ربّما عانق شاعرًا للتّوِّ أو مبكرًا

قد عارك أصْلَهُ..

لم يزلْ..

كلّما اكتشفوا عُريَهُم ..قادُوه

في كلِّ مرّةٍ قادوهُ….عادَ

عن admin

شاهد أيضاً

في تغييب القانون الدولي

تؤكد الحرب الإيرانية الإسرائيلية مجددا أن منطقة الشرق الأوسط تعد أهم ركن يتجسد فيه أبرز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *