
ما من شك أن تونس تمر اليوم بإحدى أحلك فتراتها منذ الاستقلال وذلك على جميع الأصعدة. وهي أزمة ما انفكت تستفحل منذ سنة 2012 ومختلف الخيبات التي تلتها. غير أن الأمر الآن ونحن في مستهل سنة 2025، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من انفراد قيس سعيد بناصية القرار لوحده، أصبح ينذر بكل المخاطر.
فعلى المستوى السياسي والحقوقي لم تعرف تونس منذ الثورة فترة أحلك مما هي عليه اليوم. فقد أدى انفراد قيس سعيد بكل السلطات إلى قتل الحياة السياسية تقريبا حتى في أدنى معانيها. فالعديد من الوجوه السياسية المعارضة وجدت نفسها في السجون تحت غطاء تهم واهية مثل عصام الشابي وعبير موسي ونورالدين البحيري وغازي الشواشي ورضا بلحاج وجوهر بن مبارك.
كما شملت الإيقافات عديد الصحفيين الذين قاموا فقط إما بواجبهم الإعلامي أو مارسو حقهم في التعبير بكل حرية كما يخوله الدستور. ولم تسلم من هذا المنحى نحو خنق الحياة السياسية وضرب كل نفس معارض حتى نشطاء المجتمع المدني من خلال إدانة عملهم مع المهاجرين أو من خلال اتهامهم بالعمالة لمجرد تلقيهم منح عمل من الممولين الأجانب بالرغم من أن نفس هذه الجهات تمول مشاريع للدولة التونسية.
لم كل هذا الحصار السياسي والحقوقي؟ يبدو أن تشدد تسلط منظومة 25 جويلية يتزايد كلما تأكد أصحاب القرار في تسيير الشأن العام وخاصة الاقتصادي منه. ففي ظل الركود الاقتصادي، حيث لم تتجاوز نسبة النمو الاقتصادي، 1% تقريبا لمجمل الفرة القيسية، وفي ظل تراجع الاستثمار الداخلي بما يعنيه ذلك من تراجع مداخيل الدولة الجبائية، وفي ظل تعنت سياسي أدى إلى رفض إيجاد اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لم تجد سلطة القرار من بد سوى اللجوء إلى التداين من الخارج أولا، قبل أن تغلق الأبواب، ثم من البنوك الداخلية لاحقا. أخطر من ذلك تم تغيير القانون الأساسي للبنك المركزي بما يسمح له بتمويل ميزانية الدولة عبر طبع الأوراق المالية. وهو أمر شديد الخطورة في سياق ركود اقتصادي نظرا لما يمكن أن يحدثه من تضخم مفاجئ.
انعكس كل ذلك بطبيعة الحال على مستوى المعطى المعيشي اليومي للمواطن. إذ تسجل الأسعار ارتفاعا يتجاوز حتى دخل الفئات المصفة وسطى مثل الموظفين. نضيف إلى ذلك ندرة المواد الأساسية في السوق وما نتج عنه طوابير تكاد تصبح الممارسة اليومية للتونسيات والتونسيين. وقد تجسدت هذه المعاناة الاجتماعية عبر تعدد حالات الانتحار وخاصة منه الانتحار حرقا.
ما هي إجابة السلطة على هذا الوضع؟ فقط مزيد الإنكار واتهام أشباح الخصوصم والمناوئين. في المقابل، لا يبدو أن الفاعلين السياسيين التقليديين قادرين على تحريك الشارع بالرغم من استفحال الأزمة الاجتماعية. لذلك نعتقد أنه من المهم تجديد الفعل السياسي في تونس رؤية وفاعلين ووسائل وتوصورات. وهذا هو الرهان الذي نطرحه هنا من أجل خلق ديناميكية إعلامية ومجتمعية تحت يافطة “وين ماشين؟”. فلكل سياق غير عادي حلول غير عادية، ولكل سياق حكم تضعف فيه السياسة حل من خارج الفعل السياسي التقليدي.
سؤال رئيسي في هذه المرحلة المازقية حيث عالم قديم لم يمت بعد و عالم جديد أبطا في الولادة..الي اين نمشي?و مع من نمشي?
سوف تقرأ القسم الثاني والثالث قريبا