(فهمي بلطي، كاتب تونسي)
هناك مرحلة تاريخية انتهت تماما، ربّما منذ ثمانينات القرن الماضي، ومع ذلك ما يزال العالم الإنساني يعيش بنفس ميكانيزمات الماضي ولا يقوم ولو بعملية تحديث واحدة mise à jour. هناك تسميات أظنّ أنّها هي نفسها فقدت معناها وأصبحت غير قادرة فعلا على توصيف النّظام العالمي، مثل رأسمالية، أوليغارشية، ما بعد حداثة، استهلاكية، زبونية، سوق حرة، مجتمع المعلومات والانفجار التكنولوجي الخ… وقبل إيجاد التسمية التقنية-على الأقلّ- المناسبة للنظام الذي يسير وفقه العالم الآن، أظنّ أنّ التسمية الملائمة من وجهة نظري هي نظام الوهم…نعم إنّنا نعيش داخل نظام وهمي، معلّق في الهواء بين السماء والأرض، لغته ورموزه ومعادلاته واستدلالاته كلّها ليس لها أيّ علاقة تذكر بواقعه…تأملات بسيطة فقط وعن طريق العين المجرّدة فحسب، بإمكانها أن تجعلنا نحسّ بكمّ هذه الهوة الفاجعة بين حقيقة العالم والميكانيزمات المزعومة التي يسير وفقها..

في قرن من الزمان فقط، وصلت البشرية أكبر نموّ ديمغرافي على مرّ التاريخ كلّه حتّى أنّها تضاعفت خمس مرات على الأقلّ منذ ذلك الوقت..وهو نموّ يسير بشكل تصاعدي exponontiel في الفترة الأخيرة…الثورة الفلاحية هي أكبر كذبة يعيشها الإنسان في هذه اللحظة، إذ خلافا للتغيرات المناخية المرتبطة أساسا بنمط العيش الصناعي ومخاطر الجفاف والتصحّر، فإنّ الأراضي الصالحة للزراعة أصبحت مهددة بالبوران الكامل على مدى الثلاثين سنة القادمة…مناجم المعادن والطاقة تشهد هي الأخرى استنزافا غير مسبوق، وأمام نسق التصنيع المتسارع والمتجدد في كلّ لحظة، لن تظلّ هناك في المستقبل القريب لا طاقة ولا معادن، هذا بالطبع خلافا للنفايات الكثيرة والمهولة التي يتسبب فيها التصنيع..
السوق الحرّة والتبادل التجاري الحرّ هي كذبة أخرى، إذ خلافا لأنّ هذه السوق الحرة تبتلع دولا بأسرها وتؤدي إلى إفلاسها ومجاعة شعوبها بسبب عجزها عن تتبع النسق العالمي، فهي أيضا تتسبب في كوارث صحية وبيئية، ومن ثمّ اقتصادية، كبرى، تشمل الكوكب بكامله وقد رأينا ذلك على المباشر عند حلول البطل كورونا وهو يحدث بلبلة قصوى في العالم بأسره…الانفجار التكنولوجي الذي يسهّل حياة الإنسان هو أيضا كذبة أخرى، لأنّ نمط العيش أصبح نمطا إلكترونيّا تقريبا، وهو قد جعل الحياة الروحية والعاطفية للإنسان تتراجع أشواطا كثيرة جدّا إلى الخلف.

قيم إنسانية بسيطة، مثل التضامن والتكافل والتشاركية باتت تضمحلّ تماما، وأصبحت التجمعات البشرية مهما اختلفت يافطاتها -سياسية مدنية فنية ثقافية الخ- هي في الغالب تجمعات انتهازية ليس خلفها قيم أو رؤى مشتركة بل فقط هدف وحيد في الغالب هو الاسترزاق من ثغرات النظام، يمكننا ملاحظة ذلك على الفور في تجمعات السياحة الحزبية أو العصابات الجمعياتية أو اللوبيات الثقافية أو غيرها، وهو ما يخلق هشاشة اجتماعية كبرى لأنّ العلاقات عادة ما تكون مبنية على مصالح سرعان ما تتغيّر بتغيّر الخارطة والتحالفات السياسية ليصبح حليف الأمس هو عدو اليوم، وسط مجتمعات تسودها البارانويا والبولسة الاجتماعية والخوف والوحشة.
عالم الشّمال الذي يشهد وفرة مزعومة، هو عالم مأزوم دون أدنى شكّ، لأنّ هذه الوفرة محتكرة من طبقة اجتماعية وسياسية معينة – بمستوى مختلف مع دول الجنوب- هذا أوّلا، ولأنّها ثانيا مرتهنة إلى ثروات الجنوب عن طريق الاستعمار غير المباشر، وهو ما يحدث خللا كبيرا في بلدان الجنوب من حروب ومجاعات وانهيارات اقتصادية وبيئية بالجملة -لا يكون هذا العالم الغربي في منأى عنها بالمرة، لأنّه هو نفسه يصبح يعيش صراعات بين مختلف دوله على الثروة والطاقة- كما أنّه يستورد أيضا صراعات الجنوب على شكل عمليات إرهابية لا تخمد أبدا، أو هجرات كثيفة شرعية أو غير شرعية هربا من الجوع أو الحرب. النظام المصرفي في العالم وعلى رأسه البنوك طبعا يسير قطعا نحو الهاوية، لأنّ شحّ الموارد الطبيعية الذي يقابله وفرة نقدية في الجهة الأخرى سوف يؤدي حتما إلى الانهيار المصرفي وإلى حروب كثيرة في العالم كلّه تباعا..

النظام الصحي وما أدراك ما النظام الصحي، هو أضحوكة حقيقة في العالم بأسره، فأمام التفاقم الديمغرافي، والتفاقم الرهيب للأمراض الجرثومية والجراحية والعضوية والنفسية بتعقيداتها المختلفة، لا يحدث ولو تحديث واحد للمستشفيات والموارد البشرية والصناديق والفلسفة الصحية نفسها في جميع دول العالم دون استثناء، فالصحة في العالم تشتغل مثلها مثل أيّ حلقة صناعية أخرى بعمى كامل، الإنسان في ذاته هو آخر أهدافها.. لا أحد يراجع طاقة استيعاب المستشفيات ولا عددها ولا حجم تجهيزاتها ولا نظام العمل النهاري والليلي داخلها ولا أبجديات الطبّ الوقائي ولا أيّ شيء آخر، وإن كان هناك اختلاف بين دول الشمال والجنوب فهو اختلاف لوجيستيكي صرف، لكنّ المحرّك الصحي والفلسفة الصحية هما ذاتاهما، ويشتغلان بنفس الطريقة تقريبا، وطبعا هذا يجعل كلّا من المريض- أو الزبون الصحي حسب التسمية الحديثة-، ومقدّم الخدمة الصحية من أطباء وممرضين وتقنيين مجرّد عبيد أو مجرّد أرقام فقط في ظل نظام يشتغل أتوماتيكيا متناسيا معنى الصحة في حدّ ذاتها وشروطها والأهداف المرجوة من ورائها إلخ
ماذا يتبقى؟؟ العلم والمعرفة ؟؟ أمام هذا النسق الجنوني والرّهيب الذي يشهده العالم، يتراجع العلم بالكامل كي يصبح مجرّد تقنية مرتبطة أساسا بتحصيل لقمة العيش داخل سوق شغل لا ترحم أحدا، وهذه طبعا كارثة لأنّ هناك تضارب مصالح فوريّا بين المعرفة كسلاح للنقد والهدم والتغيير وبين تحصيل لقمة العيش التي يفرض شروطها النظام العالمي نفسه، طبعا هناك علوم أصبحت في طريقها إلى الإندثار تقريبا لأنّها متعارضة مع نظام الربح والمردودية والتنافسية، أذكر مثالا لا حصرا، علم التربة science des sols أو مدارس التحليل النفسي في بعض البلدان، طبعا إلى جانب تراجع الفلسفة نفسها في عديد المناهج التربوية، كي تدير ظهرها إلى المسائل الأنطولوجية الكبرى أو الميتافيزيقية أو الإتيقية وتقتصر على مسائل تهتم بالتواصل، في معناه السطحي، أو التسامح، أو الأنية والغيرية إلخ
من المؤكّد، أنّه في ظلّ كلّ هذا، تصبح العلاقات الحميمية نفسها في مأزق مرعب، أوّلا بسبب الأجواء المسمومة المنتشرة في العالم ، وثانيا بسبب شحّ مقومات العيش الأولى من مسكن وملبس وغذاء، وثالثا بسبب تراجع المراجع المعرفية والفكرية والروحية التي من خلالها يمكن لهذه العلاقات أن تنمو أو تزهر في ظلّ هذه الأزمات نفسها..
هناك حقبة تاريخية انتهت بالكامل من وجهة نظري، انتهت مقوماتها المزعومة وانتهت مصطلحاتها وانتهت نظرياتها، وهذا العالم الإنساني لا يفعل شيئا سوى أن يدور حول نفسه معلّقا في الهواء بين السماء والأرض كي يعضّ ذيله في كلّ مرّة…ثمّة أزمات تحلّ نفسها بأزمات أخرى وهكذا.. هذا كلّ الذي يحدث فقط، وبشكل أتوماتيكي تقريبا. استنزاف الأرض مثلا يُحلّ عن طريق زيادة التسريع في التصنيع، الشح في الطاقة يحلّ عن طريق الحرب… التصدّع السياسي يحلّ عن طريق الثورة، مأزق الثورة يحلّ عن طريق الحرب الأهلية- المسلحة أو غير المسلحة-. البؤس المعرفي يُحلّ عن طريق دمقرطة الجهل النشيط وهكذا…
المصيبة وسط كلّ هذا، أنّ الوقوف أمام كلّ هذا بنظرة تأمّل تشاركية بالفعل بما أنّ المصير الإنسانيّ بأكمله مهدّد دفعة واحدة، هو نفسه أصبح وصما وذريعة للضحك والتندّر…حاول أن تنطق فقط كلمة تشاركية، أو كلمة اشتراكية وسط أيّ مجموعة كانت وسوف يضحكون عليك، وسوف تكون حجتهم أنّ العالم، هذا العالم نفسه الذي يسير نحو الخراب، هو عالم قد تطوّر ولم يعد يستمع إلى مثل هذه الترّاهات، مع أنّ الكارثة الحقيقيّة في هذا العالم البائس هو هذا التطور نفسه وأنّ هذا التطور هو الديانة الفعلية للمجتماعات الإنسانية برمتها، لا الإسلام ولا المسيحية ولا البوذية ولا الإلحاد ولا العلمانية ولا أيّ شيء آخر…
كان الفيلسوف الشيوعي جون كلود ميشيا يضحك حين يسألونه إن كان يرى نفسه تقدميا بالفعل أم لا، مجيبا إنّه بلا شكّ محافظ، محافظ لسبب بسيط وهو أنّ الإنسان بإمكانه أن يخترع فانوسا صالحا لمدة ستين عاما، وثلاجة صالحة لمدة مائة عام، لكنّه يصنع في المقابل، بسرعة تصاعدية قصوى، أدوات جوتابل باسم التقديمة نفسها…طبعا ماهو جوتابل ليس هذه الأدوات فقط والتي تؤدي حتما إلى استنزاف موارد الأرض، بل هي أيضا المصطلحات والمفاهيم. يسأل ميشيا أيضا عن الذي تبقّى من اليسار، فلا يجد سوى شيء واحد هو اللبيرالية الثقافية، إنّه فقط تقسيم للمجتمع إلى مجرّد فئات حقوقية تطالب بحرياتها ليس إلّا، بمضاعفة لا متناهية لما يُسمّى بالأقليات الحقوقية، المثليون على حدة، الكويريون على حدة، الملحدون على حدة، النباتيون على حدة، السود، اليهود، الترتسكيون، الفوضويون الخ، حيث أنّ الهدف في النهاية لا يكون شراكة الناس فيما بينهم بل فقط تمزيقهم اللا نهائي داخل مجتمع سوف يسمّيه المجتمع المتذرّي أو la société atomisée..
نعم، هناك مرحلة تاريخية انتهت تماما، وعالم الإنسان الحالي هو عالم معلّق في الفضاء فحسب.. هي ليست حتى الرّأسمالية، فرأس المال نفسه لم يعد وسائل إنتاجية بل مجرد أرقام في البورصة، بل هي الوهماتيّة، وكي أختار كلمة قد تبدو شعرية، مستعيرا إيّاها من ميشيا، فإنّني سوف أقول
إنّ النظام الذي نعيش فيه الآن هو نظام الغبار.